التاريخ دائما لا يغفر الأخطاء ولا ينسى الجرائم، ويسعى دائما لوضع الشخصية “الحاكمة” أو “القائدة” فى صورة واحدة، وهذه الصورة الواحدة عادة ما تظلم هذا القائد، لأنها تتجاهل أشياء أخرى، قد يكون مرتكبا لكوارث لكن التاريخ يراها “محسنا” وقد يكون صاحب انتصارات عظيمة، لكن التاريخ يراها “مجرما”، والتاريخ فى تشكيله للصورة يعتمد على مواقف مشهورة ووقائع مسجلة، وبعض هذه المواقف بالطبع ظلمت أصحابها.
 
وعلى مدار التاريخ الإسلامى، كان هناك العديد من القادة العسكريين والخلفاء والسلاطين، الذين ظلوا إلى الآن مكروهين تاريخيا أو على الأقل ينظر إليهم بنظرة سلبية، رغم قيامهم مواقف تاريخية أخرى إيجابية وجيدة، فهل كانت هذه الشخصيات تستحق فعلا هذا الكره أم أنه كان يجب أن ينظر إليهم نظره أخرى ومن هؤلاء:
 

المختار الثقفى

من الشخصيات الغريبة فى تاريخ الإسلام “المختار بن أبى عبيد الثقفى”، فهذا الرجل أخذ على عاتقه فكرة الانتقام للإمام الحسين ممن قتلوه ومع ذلك لا يحبه المسلمون سواء السنة أو الشيعة، حيث يعتقد المسلمون السنة أنه الكاذب الذى قصده النبى محمد فى حديثه الذى قال فيه: “إن فى ثقيف كذابًا ومُبِيرًا”، إلا أن بعض رواة الحديث من الشيعة ذهبوا إلى أن الكذاب المقصود بالحديث هو الحجاج الثقفى وليس المختار الثقفى، وهكذا فإن المقصود بهذا الحديث مختلف عليه بين طوائف المسلمين.
 
 وبحسب كتاب “تاريخ الدولة العلية العثمانية” لمحمد فريد، فإنه بعد مبايعة عبد الملك بن مروان بالخلافة، خرج المختار بن عبيد الثقفى لأخذ ثأر الحسين، وقتل شمر ذى الجوشن وعمر بن سعد بن أبى وقاص الذى كان قائد  الجيش الذى حارب الحسين، وقتل ابن عمر المذكور واسمه حفص، ثم حارب عبد الله بن زياد الذى كان واليا على البصرة من قبل معاوية بن أبى سفيان وأمر بقتل الحسين، فانتقم الله للحسين، وفى سنة 67 هـ، أرسل عبدالله بن الزبير أخاه مصعبا لمحاربة المختار، فحاربه وقتله فى رمضان.
 

أبو العباس السفاح

بسبب طريقة الموت الذى قتل بها آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد، وتمثيل جيشه بجثث موتى جيش الدولة الأموية، واتهامه بالقيام بالعديد من الجرائم، كان ذلك سبب كره عبر التاريخ، كما أن لقب “السفاح” الذى اختاره أبو العباس لنفسه، أضر به لأنه لقب يعنى الجزار أيضا و”الجزار” هو الذى يحب سفك الدماء وارتكاب المجازر، بينما يرى المؤرخون أنه لقب بذلك لأنه كان يعد الناس بالعطاء الكثير والسخاء الوفير، كذلك يرى عدد من المؤرخين أن “أبو العباس” كان شابًّا متصوِّنًا عفيفًا، حسنَ المعاشرة، كريمًا معطاء، ويذهب آخرون أن “السفاح” لم يشترك أبدا فى قتل معارضيه أو أمر أعوانه بقتلهم.
 
لكن الخلاصة  أن أول الخلفاء العباسيين، كان ظالما ومظلوما فى آنٍ واحد؛ فمظلوم لأنَّ لقبه “السفاح” اشتهر على غير معناه المقصود به وقتها، وأما ظلمه فلأنه بالفعل مشاركٌ لوُلَاتِه وأعوانه فيما ارتكبوه من مجازر، ولا يُستبعد أبدًا أنه من أَمَر بذلك خاصَّةً.
 

الحاكم بأمر الله

ويعد الحاكم بأمر الله، سادس حكام الدولة الفاطمية، من أبرزهم، والذي تميز حكمه بإصدار قوانين غريبة، كتحريمه أكل الملوخية، وأمر الناس بأن يعملوا ليلًا، ويستريحون نهارًا، وكان سفاكًا للدماء بصورة غير مبررة، وهدم الكنائس وأجبر النصارى على دخول الحمامات بالأجراس لتميزهم عن المسلمين، كما أدعى الألوهية ومعرفته بالغيب، وهناك مخطوط اسمه “رسائل الحاكم بأمر الله والقائمين بدعوته” تبين ما يدعيه الحاكم من صفات الألوهية.
 
إلا أن المؤرخين يرون أن الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمى، شهد بداية عصره الحروب الطائفية، فلم يجد حلا يشغل به العلماء عن الخلافات الطائفية إلا الدراسة والبحث، فيروي “المسبحى” أنه في أبريل من عام 1005 م أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بإنشاء دار للعلم في القاهرة، تلك الدار التي كانت وظيفتها صرف الشباب عن النقاشات في أمور الفقه والأمور الطائفية إلى العلم والدراسة والبحث، وكانت دار العلم بجوار القصر الغربي مكان إقامته خلف خان مسرور، وذلك حسب وصف “القلقشندى” بنى لها بناءً كبيراً وزوده بعدد ضخم من الكتب في شتى العلوم والفنون وقسم المكتبة إلى أقسام، وفرشها بأفخر الأثاث وزخرفت جدرانها وعلقت لها الستائر على جميع الأبواب والممرات، وكان الخليفة قد ورث عن العزيز الفاطمي مكتبته آنفة الذكر، فأورد كل كتبها إلى المكتبة، فكان فيها من أنفس الكتب وأفضلها في ذلك الزمن فكانت تضم.
 

الظاهر بيبرس

ربما أول ما يتذكره البعض من سيرة السلطان المملوكى الراحل الظاهر بيبرس، هو سيرة قتله للسلطان المملوكى سيف الدين قطز، باعتبارها خيانة لصديقه المقرب، إلا أن المؤرخين مثل بيبرس الدوادارى والمقريزى اختلفوا فيما بينهم حول سبب قتل “قطز”، فالأول رأى أن سبب اشتراك “قطز” فى مقتل فخر الدين أقطاى أحد أكبر أمراء المماليك، وكان بيبرس يعتبره أخاه الأكبر ومعلمه، بينما ذهب الثانى أن رفض إعطاء “قطز” منح إمارة حلب لبيبرس فاضمر فى نفسه.
على الرغم من ذلك فقد وصف المؤرخون الظاهر بيبرس بأنه كان حليماً يعفو عند استطاعته، ويحسن إلى الناس، وأكبر دليل على عفوه وتسامحه كان عفوه عن الأمير علم الدين الحلبي الذى تمرد عليه وسجلها له التاريخ، كما كان قائدا عظيما استطاع هزيمة لويس التاسع ملك فرنسا فى معركة المنصورة وأسره فى دار ابن لقمان، وبعدما تولى السلطنة، استعاد بيت المقدس وقد قضى أثناء حكمه على الحشاشين واستولى أيضا على إمارة أنطاكية الصليبية، كذلك أعاد الجامع الأزهر للصلاة بعدما أغلق لعشرات السنين وأمر بترميمه، كما أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد.
 

الخديوى إسماعيل

يتهم الكثيرين الحاكم الخامس لمصر من أنباء أسرة محمد على باشا، بأنه السبب فى تراكم الديوان الخارجية بشكل كبير على البلاد، مما تسبب فى تتدخل القوى الأجنبية فى شئون البلاد، ومهد الطريق أمام احتلال الإنجليزى لمصر، لكن الغريب أن هذا الرجل كان محبا للجمال والعمارة، ففى عهده تم حفر وافتتاح قناة السويس، وافتتحت الاوبرا الخديوية، وتم تخطيط القاهرة لتكون قطعة تشبه باريس داخل أفريقيا، وشيد المدارس واهتم مبكرا بتعليم الفتيات، وأحب الفن والموسيقى، واشتهر فى عصره الكثير من المطربون مثل ألمظ وعبده الحامولى.



المصدر:اليوم السابع

By admin