من الأدوار الخطيرة التي تؤديها الجماعات الدينية المتطرفة أنها تهيل التراب والغبار على إنجازات مصر التاريخية والعظيمة وبخاصة الإنجازات العسكرية، وتحديدا حرب أكتوبر المجيدة. الحقيقة التي يدركها العالم أن هذه الحرب واحدة من أشرس المعارك العسكرية في العصر الحديث وأقوى معركة حربية في الشرق الأوسط، والحقيقة كذلك المذكورة في كثير من كتب التاريخ ومذكرات عديد الخبراء والعسكريين أن هذه الحرب ارتبطت بعدد ضخم من عمليات الخداع الاستراتيجي، وبعض هذه العمليات وربما أكثرها لم تتحدث فيها مصر بشكل رسمي أو عبر خبرائها العسكريين المتحدثين في الإعلام أو الذين تناولوا حرب أكتوبر بالحديث والتحليل. 
هذه الجماعات المتطرفة العميلة بالأساس تلعب دورا مهما في نسف هذه الإنجازات وهدم الروح المصرية وتحويل انتصاراتنا إلى هزائم نفسية ومعنوية وملء الإنسان المصري بالروح الانهزامية وضرب ثقته بنفسه، والحقيقة أن هذا لا يحدث أبدا برغم كل الجهود التي يبذولونها. التيار الإسلامي في مصر دائما يهمس ويردد أن حرب أكتوبر انتصار منقوص وأن أمريكا تدخلت لوقف الحرب بحسب شروطها ويضخمون جدا من شأن الثغرة ويتبنون دائما وجهة نظر الفريق سعد الدين الشاذلي ويبالغون في تقدير رأيه وخلافه مع السادات العقل الذي أدار المعركة بشكل يجمع بين الحرب والسياسة وأنجز كل المطلوب منها في النهاية وتحرر كامل التراب المصري. 
في تقديرنا هناك أكاذيب كثيرة لهذا التيار غير الوطني هي التراب الذي يحاول أن يطمس به وجه مصر الحضاري ويطمر به إنجازاتها ويريد دفن مصر والمصريين أحياء. هذا التيار المتطرف العميل يعمل بعماء وجهل ويتلقى التعليمات من جهات خارجية توجهه نحو مهام معينة تحقق أهداف العدو الحقيقي والتاريخي. فضلا عن أن لها عداء تاريخيا مع الجيش المصري لأنهم يرونه حجر عثرة في طريق مشروعهم الوهمي مشروع الخلافة، ولذلك لا نستغرب هذه الأيام انحيازهم للجيش التركي ضد الجيش المصري أو أي جيش عربي في المنطقة، ونلمس أحيانا همسهم الفرح بالتواجد التركي في غرب ليبيا وبكاءهم على الدعم والمساعدات المصرية للجيش الوطني الليبي. 
في قصة طريفة يمكن قراءتها في مذكرات موشيه ديان نلمس تلك الروح المصرية العظيمة، ونعرف بيقين كيف يقدرك عدوك ويعرف خطورتك وذكاءك في الحرب وقدراتك العظيمة في تلك اللحظات التاريخية الخطيرة التي تستنفر كل الطاقات الكامنة في الروح المصرية العظيمة. هذه القصة يرويها موشيه ديان في مذكراته وقت كان رئيسا للاسخبارات الحربية الإسرائيلية (أمان) وكيف أن المصريين تمكنوا بدأب وهدوء شديد من خديعة الاستخبارات الحربية الأمريكية والإسرائيلية معا، كانت هذه الخديعة – بحسب رواية موشيه دايان -مرتبطة بمنصات الدفاع الجوي المصرية التي تعمل عليها مصر لتغيير ميزان القوى، فالحرب في جزء كبير منها كانت مرتبطة بكسر تفوق الطيران الإسرائيلي والحد من قدراته عبر تطوير منظومة الدفاع الجوي المصري في غرب قناة السويس وأعداد منظومة دفاع تغطي القوات المصرية بمدى بعيد داخل سيناء، هذه المسألة كانت إسرائيل حريصة كل الحرص على منع مصر من استكمالها لأنها ستبطل بدرجة كبيرة تفوق الجيش الإسرائيلي المتمثلة قوته الأكبر في الطيران. 
يحكي موشيه ديان أنه شعر التقارير التي كانت أمريكا تمد بها إسرائيل بها خلل ما وتعارضات وتضاربات في البيانات، فقرر السفر بنفسه إلى أمريكا للوقوف على حقيقة الموقف وفهم هذه التعارضات، وبالفعل ذهب وكان نظام العمل والتعاون بين إسرائيل وأمريكا يجعل الأمريكيين لا يطلعون الإسرائيليين على المواد الخام للصور الفضائية التي تلتقطها الأقمار الصناعية الأمريكية لتجهيزات مصر واستعداداتها في مجال الدفاع الجوي غرب القناة، والإسرائيليون يتلقون نتائج واستخلاصات جاهزة من الأمريكان، فقرر موشيه دايان أن يحضر هو وعدد من الضباط الإسرائيليين مع الفريق المسئول من الأمريكان عن تحليل البيانات والصور الملتقطة بالأقمار الصناعية وكانت مسألة صعبة تطلبت بعض التدخلات رفيعة المستوى بين الدولتين وتم الاجتماع فعلا، واختلفت الآراء في تحليل الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية بين الضباط والخبراء المسئولين في البداية، وكانت الخلاصة بعد وقت أن المصريين قد اعتمدوا خطة خداع غريبة جدا وطويلة المدى، وأن المصريين كانوا يصنعون نماذج وهمية لمنصات الدفاع الجوي وأخرى حقيقية وتدريجيا وعبر وقت طويل تحدث زحزحة مكانية وتبديل لهذه المنصات الحقيقية والوهمية فتكون النتيجة أن التصوير الفضائي لا تظهر فيه بيانات دقيقة عن هذه المنصات ويصبح الإسرائيليون بعد هذا الخداع لا يملكون بيانات أو صور دقيقة عن المنصات الحقيقية للدفاع الجوي فلا يكون هناك التعامل العسكري الدقيق من قبل طيرانهم وتكون هذه المنصات المصرية أكثر خطورة وفاعلية ضد الطيران الإسرائيلي وهذا ما كان بالفعل وكان أحد أهم عوامل الانتصار في أكتوبر 1973.
في هذه العملية الخداعية التي يسردها موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد ذلك تتجلى الروح المصرية العظيمة، والقدرة على العمل بشكل يبدو معجزا ويصنع صدمة حقيقية للعدو. أكثر ما تعجب منه موشيه ديان هو عنصر الوقت وكيف أن مسألة الزحزجة أو الإزاحة المكانية والتبديل بين المنصات الوهمية والحقيقية كان يتطلب جهدا جبارا ووقتا طويلا فضلا عن المتطلبات الفنية المعقدة الأخرى مثل الأبعاد الهندسية أو جهود البناء وتثبيت منصات الصواريخ والرادرات، والحقيقة أن الأمر بالنسبة لي أنا شخصيا لا يمثل دهشة كبيرة لأن المسالة ببساطة هي لحظة صعبة استدعت نهوض الروح المصرية العظيمة البناءة الأبية من آلاف السنين، فهذه الشخصية المصرية التي حاربت وأعدت للحرب بهذه الدقة وانتصرت انتصارا مزلزلا كسر تماما فكرة التفوق الإسرائيلي والجيش الذي يقهر هي نفسه الشخصية التي بنت الأهرامات وعملت بدأب وعلم وأنجزت عبر مدى زمنى بعيد كثيرا من الإنجازات وستنجز ولن تنقطع إنجازاتها أبدا، وهي نفسها الروح المصرية العظيمة التي تبني وتعمر وتحارب شرقا وغربا وجنوبا في الوقت نفسه بعدما استطاع الرئيس السيسي استنهاضها وبث فيها الأمل لتكمل مسيرة الأجداد.



المصدر:albawabhnews

By admin