يقول كثير من الفلاسفة والحكماء والأطباء فى مواضع لا تحصى: إن الضحك يطيل العمر، وأضيع الأيام تلك التى لا نضحك فيها.. إلخ. لكن قالوا أيضا فى حق الضحك: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وشر البلية ما يضحك، وهنا فى الوجدان تكمن فكرة غرائبية حول ارتباط الضحك بوقوع الشر فترانا جميعا عندما نضحك نقول: “خير.. اللهم اجعله خير”. يوجد من هذه الأمثلة كثير لكن ما لفتنى فى كل ما قيل عن الضحك هو ما قاله البعض عنه: الضحك ابن الوعي.. ابن المنطقة المضيئة من العقل.. هو ابن الذكاء.. أو هو أمارة الذكاء لذا فهو من امتيازات العقل.. بل من امتيازات الإنسان. هل سمع أحد من قبل عن أى كائن حى عدا الإنسان يضحك؟ إذن الضحك قاصر على الجنس البشرى ويميزه عن المخلوقات الأخرى.. لماذا يميزه؟ لأنه ابن العقل الذى حظى به الإنسان دون غيره من المخلوقات.
الضحك مرتبط بشكل من الأشكال بالعقل، والعقل روح الحرية.. والحرية بحاجة إلى أدوات، والأدوات منها ما نتحدث عنه هنا: الشعر، الطرفة، النكتة، النقد النزيه. باختصار، كل الفنون الساخرة، هذا الفضاء الرحب لتتريض العقول، والقلوب.
من يقرأ النكات الدالة، والحكايات الطريفة، والأعمال الساخرة لم تأت من فراغ بل من رحم يتسع الحرية أو على الأقل يغض الطرف عن قبس منها. كما أنها لا تأتى إلا فى بيئة تعرف كيف تميز بين الصواب والخطأ فتسخر من الثانى وتضحك منه وعليه.. هذا هو إحدى وسائل التقويم والمطالبة بمنع تكرار هذا الخطأ وإلا وجه بالسخرية والضحك مرة أخرى. 
الضحك والنكات والحكايات الطريفة والنوادر تنتجها بيئات ومناخات حرة ومتعلمة جيدا ومثقفة وتعرف كيف تفرز الخطأ لنأخذ العبرة وتتعلم من الدرس.
الدرس؟ نعم. الدرس، فكتب الطرائف والنوادر والظرائف، متخمة بالدروس، بقدر ما فيها من ملاحة وهذر. ففى كتاب “أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزى نعثر على الكثير من هذه الطُرف والحكايات والنوادر منها مثلا:
عن أبى النقاش قال: حدثنا أن أعرابيا سمع مؤذنا كان يقول: أشهد أن محمدا رسول الله بالنصب، فقال: ويحك فعل ماذا؟
وعن محمد بن خلف قال: قيل لمؤذن: ما يُسمع من آذانك لو رفعت صوتك، فقال: إنى لا أسمع صوتى من ميل.
وقال بعضهم: رأيت مؤذنا يؤذن ثم عدا، فقلت: إلى أين؟ فقال: أحب أن أعرف إلى أين يبلغ صوتي.
وأذن مؤذن فقيل له: ما أحسن صوتك؟ فقال: إن أمى كانت تطعمنى البلادة وأنا صغير. يقصد البلادر وهو حب الفهم وهو ثمر لشجر هندي. 
وعن شريح بن يزيد قال: كان سعيد بن سنان المهدى مؤذنا بجامع حمص، وكان شيخا صالحا يسحر الناس فى رمضان فيقول فى تسحيره: استحثوا قديراتكم، عجلوا فى أكلكم قبل أن أٌأذن فيسخم (يسود) الله وجوهكم وتحردوا.
عن أبى العيناء قال: كان المدنى فى الصف من وراء الإمام، فتذكر الإمام شيئا، فقطع الصلاة وقدم المدنى ليؤمهم، فوقف طويلا، فلما أعيا الناس سبحوا له وهو لا يتحرك، فنحوه وقدموا غيره، فعاتبوه، فقال: ظننته يقول لي: احفظ مكانى حتى أجيء.
وعن سلمة، قال: كان عند المهدى مؤدب الرشيد فدعاه يوما المهدى وهو يستاك، فقال كيف تأمر من السواك؟ فقال إستك يا أمير المؤمنين، فقال المهدي: إنا لله، ثم قال: التمسوا من هو أفهم من هذا، قال: رجل يقال له على بن حمزة الكسائى من أهل الكوفة قدم من البادية قريبا، فلما قدم على الرشيد، قال له: يا على، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: كيف تأمر بالسواك؟ قال: سك يا أمير المؤمنين، قال: أحسنت وأصبت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.



المصدر:albawabhnews

By admin