أعلنت الجزائر، خلال الأسبوع الحالي، تمكنها من استرجاع عسكري متقاعد هارب يدعى “قرميط بونويرة” من تركيا بعد أن فر إليها شهر يناير الماضي، لتتكشف معها خيوط “علاقة إخوانية قطرية بمحاولة استدراج العسكري الهارب”. وفقا لما نشرته وكالة العين الإماراتية
وأصدر الأمن الجزائري بياناً مقتضباً، اطلعت “العين الإخبارية” على تفاصيله كشف فيه أنه “بأمر من رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، وبالتنسيق بين أجهزتنا الأمنية وأجهزة الأمن التركية، تم تسليم واستلام، الخميس الماضي، المساعد الأول قرميط بونويرة الفار من بلده، والذي سيمثل أمام قاضي التحقيق العسكري يوم الإثنين” (الماضي).
ووجه القضاء العسكري الجزائري، الإثنين الماضي، تهماً ثقيلة للعسكري المتقاعد الذي يحمل رتبة “مساعد أول” وكان يعمل سكرتيرا (رئيس أمانة) لدى قائد أركان الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح.
ومن أخطر التهم الموجهة للعسكري الهارب “اختلاس وتسريب وثائق ومعلومات حساسة من وزارة الدفاع لأشخاص لا يحق لهم الاطلاع عليها، وكان على اتصال بمحرضين مقيمين بالخارج، والتواصل مع عسكريين متقاعدين متواجدين بالخارج، واستغلال المنصب لحيازة ممتلكات وعقارات وأموال داخل وخارج الوطن حصل عليها بطرق غير قانونية”.
وهي التهم التي أكد خبراء قانونيون لـ”العين الإخبارية” بأنها تندرج تحت “الخيانة العظمى” التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، فيما يبقى حكم الإعدام مجمداً في الجزائر ويتم تعويضه بـ”المؤبد”.
وفي هذا التقرير، تكشف “العين الإخبارية” بعضاً من تفاصيل “أخطر قضية عسكرية في الجزائر”، وحقيقة ما تداولته مختلف وسائل الإعلام العالمية عن العسكري المتقاعد قرميط بونويرة الذي تسلمته الجزائر من تركيا، وحقيقة ما يثار عن “صفقة جزائرية تركية”.
وكشفت مصادر أمنية عن جانب من قضية العسكري بونويرة، وكيف تمكن من الهروب خارج البلاد “محملاً بأسرار عسكرية” في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المؤسسة العسكرية، وعلاقة قائد الأركان الراحل بالقضية، وكيف حاول إخوان الجزائر المقيمون في لندن واسطنبول الممولون والمدعومون من قطر وتركيا “استدراجه للحصول على أسرار عسكرية”.

المؤكد “وعكس ما تداولته وسائل إعلام دولية نقلاً عن مصادر إخوانية” أن عملية التسليم والاستلام تمت يوم الخميس 30 يوليو/تموز الماضي، أي يوماً قبل عيد الأضحى.

بداية قصة الهروب نسجها العسكري قرميط بونويرة يوم وفاة قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح يوم 23 ديسمبر/كانون الأول 2019.

في 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قدم المساعد الأول قرميط بونويرة استقالته من منصل رئيس أمانة قائد أركان الجيش ومعه ملف التقاعد الذين تمت الموافقة عليهما.

خلال الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني الماضي، سافر العسكري المتقاعد إلى اسطنبول عبر الخطوط الجوية التركية “في رحلة سياحية” “وفق خطة مدروسة للتمويه على نية الفرار من الجزائر” وفق المصادر الأمنية.

اكتشفت الأجهزة الأمنية بعد ذلك “اختفاء ملفات حساسة من مقر قيادة أركان الجيش” وتبين بعد مباشرة تحقيقات عاجلة أن العسكري المتقاعد قرميط بونويرة “سرق جزء منها وفر بها إلى اسطنبول”، “وهي العملية التي تورط فيها بعض العسكريين قاموا بتسريب معلومات حساسة لبونويرة وهو في اسطنبول”.

مواقع إلكترونية جزائرية ووسائل إعلام دولية تحدثت بعد ذلك عن أن العسكري المتقاعد كان “العلبة السوداء لقائد الجيش السابق أحمد قايد صالح، وبأنه كان كاتم أسراره”، غير أن المصادر الأمنية أكدت بأن “المعلومات التي سرقها العسكري بعد هروبه كانت تخص قيادة الأركان، وأنه انتظر وفاة الفريق قايد صالح وبالتواطؤ مع آخرين لسرقة بعض الملفات الحساسة، بينها معلومات شخصية عن ضباط في الجيش”.

استغل المساعد الأول منصبه “دون علم قيادة الجيش” وفق المصادر الأمنية، ليجني ثروة مالية وعقارات، والتي ساعدته على الفرار من الجزائر والاستقرار في اسطنبول، حيث اشترى منزلاً فخماً بحي راقٍ بأكثر من “200 ألف يورو”.

فريسة إخوانية قطرية تركية
المصادر أكدت بأن العسكري الهارب بونويرة كان من المقربين من قائد الدرك الأسبق العميد غالي بلقصير الذي تمكن من الفرار مع زوجته القاضية في آب/أغسطس 2019 إلى وجهة مجهولة، فيما كان العسكري بونويرة على تواصل معه بعد فراره هو الآخر.

ومن بين التهم الموجهة إليه “التواصل مع عسكريين هاربين في الخارج” ويتعلق الأمر بالإضافة إلى قائد الدرك الأسبق بوزير الدفاع الأسبق خالد نزار واللواء حبيب شنتوف القائد الأسبق للناحية العسكرية الأولى.

لم يتوقف الأمر عند العسكريين الهاربين، بل ربط العسكري بونويرة اتصالات مع شخصيات وتنظيمات إخوانية جزائرية في الخارج “أكد القضاء الجزائري بأنها عملية لأجهزة مخابرات أجنبية”.

ويتعلق الأمر بالإخواني المدعو “محمد العربي زيتوت” المقيم في لندن والذي أكدت المصادر الأمنية بأنه “عميل للمخابرات القطرية” وأصدر القضاء حكماً بسجنه 20 سنة بتهم “التخابر مع جهات أجنبية”، ويعمل في الوقت ذاته ناطقاً رسمياً باسم “منظمة الكرامة” القطرية الإرهابية، وأحد الأعضاء الفاعلين فيما يسمى “مؤتمر الأمة” الإخواني الذي يضم أخطر القيادات الإخوانية المصنفة على لوائح الإرهاب.

على إثر ذلك، تحركت السلطات الجزائرية، وطلبت من نظيرتها التركية تسلميها “فوراً” العسكري الهارب والمتواجد على أراضيها.

والواضح بحسب المصادر ذاتها، أن عملاء قطر من إخوان الجزائر حاولوا استدراج العسكري الهارب لصالح المخابرات القطرية للحصول على الملفات والمعلومات الحساسة التي كانت بحوزته “حتى يستعملها النظام القطري ورقة ابتزاز ضد الجزائر”.

وما يؤكد وجود “نية إخوانية مبيتة” ضد الجزائر “قيام أنقرة بمنح الجنسية التركية للعسكري بونويرة قرميط مباشرة بعد تسلمها طلباً من السلطات الأمنية الجزائرية لتسلميه”.

غير أن تلويح الجزائر بورقة المصالح الاقتصادية أجبر أنقرة على تسليم المساعد الأول للجزائر، بعد أن أرسلت الأخيرة فرقة مختصة في مكافحة التجسس لاستلامه وإخضاعه للتحقيق.

في سياق متصل، روجت وسائل إعلام إخوانية لمعلومات نفتها المصادر الأمنية التي تحدثت لـ”العين الإخبارية” والتي ذكرت فيها بأن “موافقة تركيا على تسليم العسكري الهارب جاء بعد أن أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اتصالا هاتفياً مع رئيس النظام التركي رجب أردوغان”.

ووفق بيان الرئاسة الجزائرية فإن “تبون تلقى اتصالا هاتفيا من أردوغان في 31 يوليو الماضي” فيما تمت عملية التسليم يوم 30 يوليو، حيث سعت الأبواق الإخوانية لإيهام الرأي العام الجزائري والعالمي أن “الفضل يعود لأردوغان في تسليم العسكري الجزائري الهارب” وفق المصادر الأمنية.

أي ثمن؟
وسائل إعلام إخوانية بينها صحيفة “الشروق” الجزائرية روجت لما أسمته “صفقة جزائرية تركية” عقب تسليم أنقرة العسكري بونويرة إلى الجزائر، وتحدثت عن “تقارب تركي جزائري” من خلال زيادة تزويد الجزائر تركيا بالغاز الطبيعي، فيما يعتبر ذلك “من مصلحة البلدين وليس من مصلحة أنقرة فقط”.

المصادر الأمنية التي تحدثت لـ”العين الإخبارية” “نسفت تلك الأخبار الإخوانية” وأكدت بأن موافقة أنقرة على تسليم العسكري الهارب لم يكن إلا بعد أن “لوحت الجزائر بورقة المصالح التركية في البلاد” وهو ما يؤكد أن “الجزائر ضغطت بورقة المصالح لاستعادة عسكري هارب”.

حيث تبلغ حجم الاستثمارات التركية بالجزائر نحو 3.5 مليار دولار، بالإضافة إلى وجود أكثر من 200 شركة، كما تعول أنقرة على مضاعفة استثماراتها “والاستفادة من موقع الجزائر كبوابة لأفريقيا” “وفق الخبراء الاقتصاديين”.

كما نفت المصادر ذاتها أن تكون مواقف الجزائر “الثابتة” من الأزمة الليبية قد “خضعت للمساومة التركية”، وأكدت بأنها “مواقف تستند إلى مبادئ غير قابلة للمساومة أو الابتزاز، وهو ما يفسر سرعة الجزائر في التلويح بورقة المصالح التركية بالجزائر” وهي تعرف جيدا أن المصالح التركية تضررت كثيرا بالمنطقة بسبب سياساتها العدائية والعدوانية في ليبيا وسوريا والعراق.



المصدر:albawabhnews

By admin