لا تتوقف مزايا الحدائق والمساحات الخضراء بالمدن على التنزه أو اللعب فيها، وإنما تمتد إلى منع انتشار الأوبئة وتحسين الصحة العامة للسكان، حسبما يؤكد الدكتور محمد هشام خميس، رئيس بحوث الأشجار والغابات المتفرغ بمعهد بحوث البساتين، التابع لمركز البحوث الزراعية.

يقول «خميس» لـ«الوطن»: طوال القرن التاسع عشر، ترك تفشى الكوليرا المتكرر علامة لا تمحى ليس فقط من حيث عدد الوفيات، الذى كان بالآلاف، ولكن أيضاً فى عناصر التصميم الحضارى المحفزة، مثل الشوارع المشجرة الواسعة والمتنزهات التى حولت نيويورك مثلاً والمدن الرئيسية الأخرى إلى تلك المدن الشهيرة التى نعرفها اليوم».

“خميس”: الأمراض المعدية نتجت عن الأبخرة المنبعثة من المواد المتعفنة والحدائق تعمل كشفاطات لها

ويضيف موضحاً: «كانت مدن القرن التاسع عشر مزدحمة وقذرة وتوفر بيئة خصبة لتكاثر أمراض مثل الكوليرا.

وفى حين أن القمامة وروث الحيوانات والنفايات البشرية كانت تتدفق بسهولة ويسر إلى موارد مياه الشرب، فإن هذا الخليط من الروائح القذرة التى تنتج عنها، جعل عديداً من الأطباء يشيرون إلى أنها السبب فى نشر المرض».

ويوضح الأستاذ بمعهد بحوث البساتين أن مسئولى الصحة العامة التزموا هنا بفكرة يعود تاريخها إلى العصور الوسطى بأن الأمراض المعدية كانت ناجمة فى المقام الأول عن الأبخرة الضارة المعروفة باسم «miasma» المنبعثة من المواد العضوية المتعفنة. وقد دعا أنصار نظرية Miasma إلى تحسين التهوية والصرف والممارسات الصحية لتخليص المدن من الرائحة الكريهة والهواء الفاسد. وقد استجاب مسئولو مدينة نيويورك لمقاومة تفشى الكوليرا من خلال نقل 20 ألف خنزير من قلب المدينة وبناء نظام قنوات مائية بطول 41 ميلاً لكى يوفر مياه شرب نظيفة من شمال المدينة.

واستشهد خميس بما قالته سارة جينسين كار، الأستاذة المساعدة فى الهندسة المعمارية والحضارة والطبيعة فى جامعة نورث إيسترن، عن أنه: «من المحتمل أن يكون الخوف من الملاريا هو الأثر الأكثر أهمية على تطور البيئة العمرانية فى أعقاب وباء الكوليرا والحمى الصفراء»، حيث ظهرت مبادرات البنية التحتية الضخمة فى المدن الناشئة، مثل تركيب أنظمة الصرف الصحى تحت الأرض، وغالباً ما كانت هذه البنية التحتية تعنى أن الشوارع فوقها أصبحت أكثر استقامة وأوسع، وكذلك رصفها بحيث يمكن غسلها بسهولة أكبر فى نهاية اليوم حتى لا تتسبب أكوام النفايات فى انبعاث الغازات الضارة، كما تم تمهيد المناطق الموحلة فى المدن.

وبالإضافة لما سبق، فقد دافع مهندس المناظر الطبيعية، فريدريك أولمستيد، بحسب خميس، عن قدرة الحدائق والمتنزهات وأشجار الطرق والشوارع على الشفاء، التى يعتقد أنها يمكن أن تعمل مثل الرئتين الحضريتين كـ«شفاطات للهواء الفاسد ومضخات للهواء النقى». كما تشير كتاباته إلى أهمية المساحات الواسعة المفتوحة للسماح للناس بالوصول إلى الهواء النقى وضوء الشمس، وهو يناقش كيف يمكن تطهير الهواء بواسطة الشمس وأوراق الأشجار.

ويشير «خميس» إلى أنه بداية التخطيط لمنتزه سنترال بارك، الذى صممه «أولمستيد» فى أعقاب تفشى وباء الكوليرا الثانى فى نيويورك مباشرة عام 1849، وبفضل نجاح هذا المشروع ذهب أولمستيد الذى توفى طفله الأول بسبب الكوليرا، لتصميم أكثر من 100 حديقة عامة وأماكن ترفيهية فى بوسطن وبافالو وشيكاغو وديترويت. ويلفت أستاذ بحوث الأشجار والغابات إلى أن الإمبراطور نابليون الثالث الذى وصل إلى السلطة فى فرنسا عام 1848 وسط تفشى الكوليرا التى أودت بحياة ما يقرب من 19 ألفاً من الباريسيين، كان معجباً بالحدائق وحدائق الميادين فى لندن، وقد سعى ابن شقيق نابليون بونابرت إلى إعادة تشكيل باريس فى أعقاب الوباء، وقال: «دعونا نشق شوارع جديدة ونحول أحياء الطبقة العاملة التى تفتقر إلى الهواء والضوء إلى مناطق أكثر صحة، ولندع ضوء الشمس يصل إلى كل مكان داخل أسوارنا». وبتوجيه من البارون جورج يوجين هوسمان، هدمت السلطات الفرنسية 12 ألف مبنى، وبنت شوارع وحدائق تصطف على جانبيها الأشجار».

وما سبق يؤكد، بحسب الأستاذ بمعهد بحوث البساتين، أن «إنشاء الحدائق والمسطحات الخضراء ليس شكلاً من أشكال الرفاهية، وإنما ضرورة للحفاظ على صحة المواطنين، ومنع انتشار الأوبئة والأمراض». 



المصدر : elwatannews

By admin