دعني عزيزي القارئ أدعوك للخروج من كل تفاصيلك. للسماح ليد أخرى لا تعرفها بترتيب أفكارك. لأن تتشارك ما تريد قوله مع من يقوله ولا يريد قوله. لأن تفاتح ليل الخريف الدافئ الرطب بقمر جديد لا تملكه أنت. لأن تستعير بعض الحكايا من آخرين كي ترتب أولويات حكاياتك. إن هذا ما يحدث بكل بساطة حين نستمع لحكايات أخرى من آخرين لا نعرفهم. ليس لدينا أحكام مسبقة عنهم وعن أحداث حياتهم التى تمر بهم. لذا يمكن لهؤلاء بقصصهم أن يتدفقوا في شرايين حياتك بسلاسة وهدوء ودون معارضة. ويمكن أن تجد فيما فعلوا ما يجب أن تفعل أنت دون أن تعرفهم أو يعرفوك. قصص شاعرية.. حادة.. قوية.. حنونة.. شقية.. بتاء التأنيث.. بجمع المذكر السالم.. قصص تخبرك أن الحياة قرارات هادئة. وقصتنا الثانية لامرأة تحكي وتقول:
كان شخصًا مختلفًا على نحو مثير… يغريك بالاقتراب… يثير فضولك بثورية اختراق المجهول… يشعرك أنه دائمًا قريب… في وقت صار فيه الشعور بقرب الآخرين حلمًا صعب المنال حتى لو لم يكونوا من أهل ثقتك… رغم أنه يزعجك جدًا في معظم الأحوال… لم يكن يومًا وديًا ابدًا في أوائل الخريف الماضى… أمطرت سمائى إزعاجًا… سيارة معطلة في عز الزحام… تأخير على حضور اجتماع مهم… ووابل من العصبية الإدارية… وصلت لدرجة الخوف من ألمس أى شىء فيتعطل… وكأن حروف اسمى عزم عليها بعقد الهاء ألا تصيب هدفًا… وبينا أنا في طريق العودة للمنزل… وجدتها… بطاقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها عشرة سنتيمترات مربعة… عليها كلمات لجلال قفيشة (أنا أعلم أن العصافير تلاحقك لتصادقكِ وتغازلكِ أينما رحلتى…ولذلك أحدثهم دائما عنكِ في أى مكان أصادفهم فيه…علهم ذات يوم يخبروكِ كم أشتاقك وأنتظر لقاءك…)… لم أستطع أن أمنع ابتسامة واسعة من التسلل عبر شرايينى لعصب القرنفل في دماغى… وأعترف أن هذه الرسالة غيرت يومى وحلت عقد الهاء من رؤوس حروف اسمى… لأنها أشعرتنى أن الكلمات الجميلة تصنع يومًا جميلًا… حتى أننى لم أجد سوءًا كبيرًا في الإجابة على سؤال (كيف وصلت يده لحقيبة يدى؟!.)
ظننت أن الأمر انتهى عند هذا الحد… وأنها ليست أكثر من مغازلة لطيفة من شخص غير قادر على المواجهة… حتى فاجأنى بعدها بيومين… كنت مندمجة جدًا في مداخلات منفعلة على هامش ندوة عن الإبداع في الفن… وفجأة أتتنى كلمات على الزهيرى في SMS على الموبايل (حين تجلسين عن يمينى لا أكون بخيلًا، ولكننى لا أعرف كيف أنفق دمى على جسدى إذ يصير القلب يمينًا)… وضعتُ تمامًا… شعرت أنه موجود هنا… أخذت أتفحص كل الوجوه عن يمينى ولكن لم يبدُ أحدًا مهتمًا بى… كان جنونًا أن أشعر بذلك حتمًا… والأسوأ أننى فقدت لذة متابعة المداخلات…
وبدأ الأمر يتطور كثيرًا… فأنا معتادة على تناول قهوتى كل صباح في مقهى قريب من العمل… وحين تتحول فصيلة دمى لصورة نيجاتيف من الكافيين أبدأ يومى براحة… وما إن جلستُ إلى مكتبى حتى وجدتُ بطاقة في حقيبتى مرة أخرى… كلمات مشارى عبد الرحمن (تبحثين عن الدفء في كوب قهوتك… وصدور العاشقين لك تحترق)… وحقًا لم يعد الأمر مسليًا على الإطلاق… وبدأت أشعر بالضيق… والملل… حتى أننى قضيت يومى في مراجعة كل من صادفت علّى اصل لمجنون الحقيبة… ولم يعد لدى أى شغف لمتابعة هذه المطاردة السخيفة… شعرت ببساطة بالاعتداء على حريتى وخصوصياتى في ممارسة تفاصيل يومى… دون استئذان…
يتبع في الجزء الثاني الأسبوع المقبل…..



المصدر:albawabhnews

By admin